~كتاب الله~
هو الهدى والنور والروح والرحمة والشفاء والبركة والبرهان والحكمة والحق...
نحتاج أن ننكب على تدبره وفهمه وإسقاطه على قلوبنا وأبداننا لنصلح لمجاورة الله في الجنة


وتابعوا

مدونة "علم ينتفع به" تحوي تفاريغ دروس الأستاذة أناهيد السميري جزاها الله خيرا ونفع بها

http://tafaregdroos.blogspot.com

السبت، 30 مايو 2026

منظومة التربية والدعوة في زماننا.. بين الفشل والنجاح

 ورد علينا سؤال في صفحة الاستشارات في هذه المدونة، وكانت هذه الإجابة عليه

نفع الله تعالى بها


 السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. من له قريب من الأجيال المتأخرة التي تعاني من الهشاشة او الحساسية النفسية، وعدم الرضا، وارتفاع منسوب الاستحقاق، وتفتقر لكثير من أدوات تحصيل العلم.. مثل الجدية والمثابرة والصبر، ويريد أن يزرع التقوى في قلبه بإذن الله، وليس له على قريبه هذا سلطان. أي أن الوسيلة المتاحة الوحيده هي تألُّف قلبه، فقط. كيف يتعامل معه؟؟ ومالحل لو كان هذا التألف يزيد ويرفع من منسوب الاستحقاق عنده أكثر؟ علما أن من لهم عليه سلطان مثل والديه يعينون نفسه عليه وليس العكس.


الجواب:


وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

حياكَ/كِ الله

نسأل الله تعالى أن يفتح علينا ويسددنا وينفعنا ويغفر لنا سبحانه

 

السؤال الذي سألته مهم، وكبير، وله جذور كثيرة

وأنا لا أعرفكَ/كِ ، فسأجيبك وفقا لما هو منتشر بشدة في الأمة، وغالبا لن تخلو من الحاجة لتفاصيل هذه الإجابة

فاعذرني على الإطالة، عسى الله تعالى أن ينفع بها.

 

((( أولا )))

 

نحتاج أن نتذكر، ونكرر على أنفسنا وعلى بعضنا حقيقة كثيرا ما تغيب عن أذهاننا، أو عن مشاعرنا ورغباتنا

 

فإننا في مثل هذه المواقف كثيرا ما نتعامل مع هداية من نحبهم وكأنها أمر حتم!

وكأنها لابد وستحصل

ونحن فقط نسأل عن الطريق الذي ستحصل من خلاله

أو نسأل ليكون لنا دور في هذه الهداية...

 

 

ولكن الحقيقة أن هذا الإنسان ليس شرطا أن يهتدي!

ليس شرطا أن يقدر الله تعالى له أن يموت مهتديا

أو على الأقل أن يهتدي في هذه الفترة

أو أن يهتدي على أيدينا...

 

بل إننا لا نجزم أننا نحن مهتدون حقيقة الهداية أصلا!

أو أننا سنموت على الهداية!

خاصة مع غفلة غالب الناس عن قلوبهم وعن معرفة وإدراك أنواع الكبائر والظلم التي قد يقع فيها العبد..

فإننا لا ندري إن كان فينا من الزيغ والعيوب ما هو سبب في غضب الله تعالى علينا!

ونحن نظن أننا المهتدون المؤمنون!

 

❗️ فنحن مع أنفسنا نحتاج إلى الكثير الكثير من الصدق، والعلم، والدعاء، والبصيرة، والمعونة ممن حولنا.....

لكي ندرك مقدارا مقبولا من حقائقنا، حتى نتعامل معها كما ينبغي

 

❗️  ناهيك عن أن نعلم ما سيؤول إليه أمرنا قبل أن نموت! نسأل الله حسن الخاتمة..

 

❗️ ناهيك عن أن ندرك تفاصيل حقيقة ما يجول في قلب أو عقل من أمامنا، مما يحدد مقدار هدايته أو زيغه

 

❗️ والأبعد من كل ذلك.. أن نعلم كيف سيختم الله تعالى له!

 

 

فنحن نحتاج أن نذكر أنفسنا باستمرار أنّ كل هذه الأمور.. ليست فقد خارج نطاق سيطرتنا

وإنما جزء كبير منها خارج نطاق حتى مقدرتنا على بذل الأسباب..

 

 

🌿 ثم بعد ذلك! كيف ننتفع من هذه الحقائق في معرفة ما المطلوب منا؟

 

حينما ندرك كل ذلك، فإننا:

 

🔶 سنسعى في بذل الأسباب "التي أُمِرنا" أن نبذلها، بالطريقة التي تُرضي الله جل جلاله، قدر المستطاع

 

🔶 مع الدعاء الشديد، والاستغاثة الشديدة بالله سبحانه وتعالى، أن ينجينا نحن قبل أي أحد، وينجي من نحب في هذا الاختبار

 

🔶 ويفترض أن ينتج من هذه الإدراكات؛ أن لا تتعلق قلوبنا بأحد لدرجة القلق، أو لدرجة الذهول عن الأولويات الأخرى في حياتنا، وإعطاء هذا الأحد أكبر من الحجم المسموح لنا أن نعطيه إياه (من تركيزنا، وتفكيرنا، وقلوبنا، ومشاعرنا، ووقتنا، وجهدنا...)

 

إنّ كل هذه النقاط التي ذكرتها وسأذكرها بإذن الله، تحتاج منا إلى عمل كثير، وانتباه أصلا على ما في أفكارنا ومشاعرنا وتصرفاتنا، حتى نكتشف أين نحن وسط كل هذا، هل نحن في منطقة الاتزان في تعاملنا مع هذا الأمر (أو هذا الشخص)، أم أننا زائغون إلى الإفراط، أو زائغون إلى التفريط دون أن نشعر...

 

ثم نحتاج إلى عمل وتركيز وجهد ودعاء ومعونة... للرجوع إلى منطقة الاتزان مرة أخرى....

 

كل هذا يحتاج منا إلى عمل وتركيز شديد على أنفسنا!

حتى لا نجعل حياتنا تدور حول هذا الشخص بدرجة أو بأخرى

 

لسببين:

 

((1)) السبب الأول: من أجلنا نحن، حتى لا نكون جسرا يفني نفسه في هداية الخلق، ونحن مفرطون في أولويات كثيرة كنا نظن أننا قد أتممناها وأعطيناها حقها، فيقذف بنا في جهنم بسبب ذلك! (وهذا لا يعني اختيار أحد الأمرين وترك الآخر، وإنما إعطاء كل منهما الحجم الذي يناسبه).

 

((2)) والسبب الثاني: لأن جعل هذا الشخص في محور تركيزنا، لا نتخيل أنّ هذا الأمر سيكون خفيا!

بل إنه سيكون ظاهرا جدا، عند الشخص نفسه وعند غيره

وفي كثير من الأحيان سيمثل هذا الأمر ضغطا نفسيا عليه، وشعورا بأنني أقتحم عليه حدوده، مما سيزيد نفوره مني على الرغم من حرصي عليه وعلى مصلحته

 

فهذا التعلق لن يفيد أحدا منا، بل سيضرنا جميعا، في الدنيا والآخرة، فنحتاج أن نتابع أنفسنا لوضع كل شيء في حياتنا في حجمه الذي يريده الله تعالى له – وهذا لوحده جهد جبار في إصلاح أنفسنا -.

 

 

🔶 وهذا سينتج عنه أن نعطي من أمامنا المساحة والحرية التي أعطاه الله تعالى إياها، ونرضى بأنّ الله سبحانه هو وحده من سيقرر أيهتدي هذا الإنسان أم لا، ونرضى باختياره جل في علاه في النهاية، ولو كان فيه بعض الألم، فلن نكون أرحم منه سبحانه عليهم، ولن نكون أعز عنده جل وعلا من رسوله ﷺ، حيث لم يستطع إنقاذ عمه الذي ضحى بالغالي والنفيس من أجله، ولا أعز من نبيه نوح عليه السلام، حينما لم يستطع إنقاذ ابنه الذي من صلبه.

 

 

🔶 وهنا ينشأ لدينا واجب جديد (ليس هنا مكان التفصيل فيه، ولكن ننوه له تنويها)، وهو أن ما يجب علينا ليس هداية الخلق رغما عنهم، وإنما ما "يجب" علينا، هو أن نعامل كل أحد بالطريقة المناسبة (لاختياراته)، وهذا يحتاج إلى كثير علم، وكثير إنصاف، وكثير سلامة صدر، مع كثير من الشجاعة (وهو ما يسمى الولاء والبراء).

 

فإنّ الأصل في تعاملنا مع الناس هو الرفق والحلم وحسن الظن والصبر والدعوة والتعليم.... الخ، ولكن هناك من الناس من يتجاوزون كل هذا، وتتأكد فيهم صفات الكبر، أو الكذب والخداع والخبث، أو الجرأة على الإفساد...، فيكون الواجب عليها أن ننتقل من الرفق إلى الشدة، ومن العفو إلى المحاسبة، وقد تصل أن ننتقل من الصداقة إلى العداوة...

فليست وظيفة المؤمن أن يعامل (كل الناس!) بالرفق!

المؤمن كالمنافق، والمتواضع كالمتكبر، والناصح كالخبيث...

بل إن هذه المداهنة هي أحد الأسباب الرئيسية في انتشار النفاق والكبر والجرأة على الله تعالى وعلى دينه

لأن الناس مهما أساؤوا، ومهما ظلموا، ومهما تكبروا...

يجدون أن الكل يعاملهم بأحسن معاملة! وبرفق وحب ورحمة...

وليس هكذا علمنا ربنا سبحانه

وليس هكذا كان رسول الله ﷺ ولا الأنبياء ولا الصحابة ولا الصالحين في كل زمان

 

ويمكن الرجوع إلى مقال (رسول الله ﷺ لم يكن دائما لطيفا ورفيقا) في هذه المدونة، لبعض الإضاءة على هذا الموضوع.

 

https://tadabbaralquran.blogspot.com/2019/03/blog-post.html

 

 

 

((( ثانيا )))

 

هناك مشكلة عند غالب الآباء والأمهات والمربين – خاصة في زماننا -، تحجزهم عن نفع من تحتهم، وتسبب نفورهم منهم مهما حاولوا من أسباب لمساعدتهم.

 

ولنضرب مثالا بالآباء والأمهات، فإنهم في وضع يعطيهم أعلى درجة من السلطة والتحكم، وفي نفس الوقت القرب ممن يربونهم، فإذا فهمنا هذه المشكلة عند الآباء والأمهات مع أبنائهم، فإنها ستكون مشكلة في غيرهم من باب أولى!

 

 

غالب الآباء والأمهات – خاصة في زماننا – يتعاملون مع أبنائهم بطريقة فيها نوع من التعالي، أو التذاكي، وينتج عنهما مقدار من القهر.

 

لا يشعر غالب الأبناء باحترام آبائهم لهم، احترامهم لعقولهم، احترامهم لمشاعرهم، احترامهم لاختياراتهم، احترامهم لحقوقهم، احترام لكونهم بشر منفصلون عنهم، قد كرمهم الله تعالى، وأعطاهم الحرية لاختيار طريقة اجتيازهم لاختبار الدنيا.

وهذا لا ينطبق فقط على الكبار منهم، بل إن هناك مقدار من الحرية يبدأ مع الإنسان منذ نعومة أظفاره، ثم يكبر تدريجيا حتى يكون حرا تماما عند البلوغ أو عند الرشد.

 

والآباء لا يشعرون بهذا الضغط، لأنهم هم من يمارسونه، وأما الأبناء فإنه يُمارس عليهم، فيضعهم تحت ضغط نفسي كبير، وضيق مستمر، وشعور بالقهر والحزن.. مما يسبب نفورهم الشديد من هذا الذي يتعامل معهم وكأنهم آلات تحت تحكمه، وليسوا بشرا لهم أفكار ومشاعر وحاجات وآراء... الخ.

 

 

إنّ الأب أو الأم يتخيلون أنهم بمجرد أن يقولوا لهذا الابن كلمة: قم أو اجلس أو تعال أو اذهب أو افعل...

فإن هذه الكلمة بسيطة جدا، ومختصرة جدا

ووقعها على الابن أنه سيعرف هذه المعلومة ثم يقوم فورا لينفذها!

 

وإذا حاول هذا الابن أن يعترض

أو أن يبين وجهة نظر أخرى

أو أن يبين شعوره اتجاه هذا الأمر

 

فإن غالب الآباء والأمهات (وأنا سأتكلم هنا عن درجة مما هو منتشر.. والتي تعتبر لطيفة مقارنة مع الكثير من الأحوال الأسوأ من ذلك!)

 

سيردّون عليه بما معناه: نحن أدرى بمصلحتك! هذا أفضل! ألم نقل لك هذا من قبل!؟ ألم نتكلم عن هذا الأمر كثيرا!؟ نحن والداك اسمع وأطع!...... الخ

 

لن ينصتوا له، إنصات من لديه – على الأقل! – فضول!

ماذا يوجد في عقل هذا الابن!؟

كيف يفكر؟

كيف يشعر!!؟

 

 

لماذا!؟ لأن غالب الآباء والأمهات (والمربين عموما) لديهم قناعة خفية

أنهم يفهمون أبناءهم.. تماما!

ويفهمون ما يدور في عقولهم!

يفهمون حاجاتهم!

يفهمون نواياهم!!

 

وطبعا كل هذا ناتج عن غرق الأمة في منظومة كبيرة من سوء الظن!

أو التذاكي والعجب!

 

فهم يتصورون أن هذا الابن (أو حتى هذا الطفل ذو العامين أو الثلاثة أعوام!)

ليست لديه أي معلومة جديدة يمكن أن يضيفها لهم!!

لهذا بالنسبة لهم أي حوار معه.. مجرد تضييع وقت!

 

فهم يعرفونه! ويفهمونه! ويفهمون دوافعه! ويفهمون أفكاره! ويفهمون مشاعره!

وكذلك هم يفهمون الأنفع له! والأصلح لحاضره ومستقبله!!

 

> ثم نتيجة كل هذا العلم! خرجوا بالمنتج النهائي الأفضل بالنسبة له.. ولهم

وأخبروه بهذا المنتج

 

وهو يفترض أن يكون واثقا بذلك

فيسمع ويطيع بلا تساؤل ولا نقاش!

 

وإن لم يكن واثقا تماما.. فأبدى بعض الاعتراض

فإنهم سيذكرونه بكلمتين.. نحن نعرف.. نحن نفهم.. فانت ثق بنا واسمع وأطع.

 

 

☀️ في حين أنّ الواقع الذي خلقه الله تعالى

أنّ هذا الإنسان، المنفصل عني تماما

المختبر معي في هذا الاختبار!

 

عنده منظومة كبيرة متكاملة (من المشاعر، والخبرات، والمعلومات التي يستقيها ممن حوله، والقدرات النفسية والشخصية والعقلية والبدنية......)

 

منظومة كبيرة.. أنا لا أكاد أعرف عنها شيئا!! - ونحن لا نزال نتكلم عن الوالدين، الملاصقين لأبنائهم تماما -!

 

كون أي إنسان "يظنّ" أنه يعلم منظومة من أمامه تماما.. لأنه ابنه أو ابنته.. أو أيا كان!

 

فهذا جنون!

 

قد يكون ناتجا عن جنون العظمة!

أو جنون سوء الظن!

أو جنون التذاكي!!!

أو جميعهم!!

 

أيا كان سبب هذا.. ولكنه واصل إلى مرحلة الجنون!

 

وأبسط تذكرة يمكن أن يذكر بها العبد نفسه.. لكي يكون هناك أمل في أن يبدأ يستيقظ من هذا الجنون..

 

أن يتذكر شعوره هو مع والديه، أو مع من ربوه

 

فاسأل نفسك ببساطة: هل أمك وأبوك يفهمون كل ما يجول في داخلك، من أفكار ومشاعر وخبرات ومعلومات وقدرات....؟

 

كم في المئة يعرفون من منظومتك الحقيقية!؟ تفكر قليلا...

 

أنا سأقول رقما في الحقيقة هو رقم خيالي، ولكن لنعتبر أنه موجود بشكل نادر

هل سنقول أنهم يعرفون 30%؟ 40% من تفاصيل حقيقتك وما يكوّن منظومتك؟

 

أنا سأتنزل وأوافق على هذا الرقم

(مع أنه رقم خيالي تماما، ولا أظنهم يعرفون ولا 10% من حقيقة ما يوجد بداخلك، ليس لأنهم جهلاء، ولكن لأنهم بشر! ولأن جزء كبير من المنظومة التي بداخلك.. أنت أصلا لا تعرفه!

نحن أصلا لا نعرف كثيرا مما يجول في داخلنا!

فالرؤية الكاملة لمنظومتنا.. لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى

ونحن شخصيا نجهل كثيرا من هذه المنظومة

وأي شخص آخر ولو كان أقرب الناس إلينا.. يجهل بمقدار ما نجهل أو أكثر منه من باب أولى)

 

ولكننا سنتنزل ونقول أن هناك أب أو أم يعلمون 30 أو 40% مما بداخل ابنهم أو ابنتهم من أفكار ومعلومات ومشاعر وخبرات وقدرات... الخ

 

هذا الرقم (الذي هو خيالي أصلا!)

يعني = أنّ هناك 60% أو 70% مما في عقل وقلب هذا الإنسان، أنا لا أعرفه!

 

فلو كانت لدي مسحة عقل!

كيف لا يكون لدي فضول! أن أفهم ماذا يوجد في تلك ال60% التي لا أعرفها عنه!!؟

 

كيف أتعامل معه وكأنه كتاب مفتوح تماما أمامي!

لا أحتاج إلى أن أنصت للكلام الذي يقوله!

لا أحتاج إلى أن أناقشه!؟

لا أحتاج إلى أن أفهم منه بالتفصيل.. كيف يفكر؟ وماذا يفهم؟ وماذا لم يفهم؟ وما هي التساؤلات التي بداخله!؟ وما هي الإجابات التي حصل عليها ويظن أنها إجابات صحيحة!؟ وهل هي صحيحة فعلا أم خاطئة!!!؟

 

في شتـــّــــــــــــى أنواع المواضيع!

 

 

هذا التصور (الجنوني!) عند الأب والأم، ومن باب أولى غيرهما من المربين، كالأخ الكبير، أو العم، أو الخالة، أو المعلم، أو حتى الشيخ والعالم!...

 

هذا الكم المهول من الثقة العمياء بأنفسهم!

الكم المهول من التذاكي!

الكم المهول من سوء الظن!

 

يجعلهم يتعاملون مع من تحتهم بتعالي..

 

لا ينصتون لهم، لا يحاورونهم، لا يحترمون كلامهم، لا يحترمون آراءهم، وفي أحيان كثيرة لا يحترمون حتى شكاواهم وآلامهم...

ولو حاوروهم في بعض الأحيان.. فإنهم يحاورونهم هكذا.. أداء واجب!

دون انصات ولا اهتمام حقيقي

 

لأنهم يتصورون أنهم يفهمون كل شيء!

ومن ضمنه طبعا هذا الصغير الذي تربى على يدي!!

فأنا أفهمه! وأفهم نوعه! وأفهم مصلحته..... الخ

 

 

الآن اجمع هذه المنظومة كلها على بعضها...

وأغلق عينيك

وانتقل إلى الطرف الآخر..

تخيل نفسك أنت هذا الابن، أو هذه البنت

 

أو تذكر ذلك.. (فلا أظن أن أحدا لم يجرب هذه الحالة مع أحد في حياته (مع والديه، أو مع أخيه، أو مع معلمه، أو مع شيخه... الخ))

لأن هذا الأمر منتشر جدا..

 

فأنت تذكر.. أو تخيل

تقمص الحالة بصدق...

 

(وتنبيه جانبي.. أنّ أحد أهمّ الأسباب الرئيسية لنجاتنا في هذا الاختبار هو "التذكر"، وأحد أهم الأسباب الرئيسية لهلاكنا فيه هو "النسيان!" بمعنى الغفلة! وتغطية الحقائق، وتجاهل القلب لها... – فإن معنى الكفر أصلا = هو التغطية!)

 

فنحن نحتاج أن نتذكر بشدة الحقيقة التي نبحث عنها

تخيل هذا الوضع

تذكره

تذكر شعورك وهم يعاملونك.. على أنهم يفهمونك تماما!

ولا يحتاجون أن يستمعوا لما تقول

وكل ما يريدونه منك.. أن تسمع وتطيع.

 

خذ بضعة ثواني..

 

ثم أجب على هذا السؤال: ماذا كان شعورك وقتها؟

كيف شعرت اتجاه هذا الكبير الذي يتعامل معك بهذه الطريقة!؟

كيف شعرت وقتها وأنت لديك الكثير من الكلام الذي تريد أن تقوله.. وهذا الكبير غير مهتم به

ربما ليس لأنه غير مهتم بك أنت

ولكنه مقتنع أنه يفهمك ولا يحتاج أن يسمع شرحك لأي شيء...

 

 

مع التنبيه إلى أنك قد تكون تحب هذا الشخص، وقد تكون علاقتك الآن به جيدة

فالناس مختلفون في ردود أفعالهم على ما يمرون به

 

ولكن أنا لا أتكلم معك الآن بهدف اتهام هذا الشخص

أنا أتكلم معك.. بهدف أن تدرك شعورك اتجاه هذه الطريقة من التعامل

حتى تشعر بما يشعر به الصغار الآن.. حينما نتعامل معهم بهذه الطريقة

 

تقمصت الحالة؟

تلمست الشعور الذي غمرك وقتها!؟

 

أظن أصبح لديك تصور عما يشعر به الصغار اتجاهنا.. حينما نظن أننا نفهمهم، ولا ننصت لهم ونحاورهم بصدق وتواضع

أصبحت تدرك حجم الحاجز الذي نبنيه في قلوبهم اتجاهنا بسبب ذلك

حتى وإن ظلوا يحبوننا.. ولكنهم بالتأكيد لن يجعلونا محل ثقتهم

ولا موضع أسرارهم

ولا مصدر مشورتهم....

 

لأننا ببساطة.. لا ننصت! ولا نحاور!

 

قد يختارون أشخاصا صغارا في السن، بلا خبرات ولا علم، وربما حتى بلا أي درجة من درجات التقوى

فيجعلونهم موضع ثقتهم وحوارهم وشكواهم...

 

فقط لأنهم ينصتون إليهم!

يحترمون كلامهم

يتواضعون في مناقشة مشاكلهم... يتعاملون معهم بمكافأة!

على أنهم جميعا.. بشر!

جميعهم لا يعلمون الغيب

فيحاورنهم، ويستمعون إليهم

ويحترمون أن ما يقولونه هو ما يرونه بداخلهم فعلا

ثم قد يناقشون كونه صحيحا أو خاطئا

أو حقيقة أو وهما...

 

حوار.. إثراء للعقول

وليس مجرد إملاء وأوامر!

 

 

هذه المشكلة هي أول الأسباب التي تجعل المنظومة التربوية فاشلة تماما!

خاصة في زماننا – الزمان الذي انتشر فيه الكبر والعجب والاعتداد بالرأي! وسوء الظن! والتذاكي! وما يسمونه الثقة بالنفس!!... -

 

حتى من المنتسبين للدين!

حتى من غالب الشيوخ والدعاة!!

 

لأنهم لم يعودوا يمارسون التربية التي كان يمارسها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والسلف الصالح مع من تحتهم!

لم يعودوا يتفاعلون مع من يعلمونهم: بتواضع، وإنصات، وحوار، ومشورة، وتربية...

 

أصبحوا فقط يلقون عليهم معلومات!

ويتركونهم ليعودوا إلى حياتهم!!

 

دون أي اهتمام بوقع هذه المعلومات على هؤلاء الذين أعلمهم

هل فهموها!؟

هل أسقطوها على أنفسهم؟

هل اكتشفوا منها عيوبهم؟

هل نشا لديهم رغبة في إصلاح هذه العيوب!؟

ما التساؤلات التي لديهم اتجاه هذه المعلومات التي رموها عليهم!؟

هل لديهم شبهات تحتاج إلى تفنيد!؟

 

ولا شيء من هذا!

 

 

فرق كبير بين هذه المنظومة، ومنظومة المربي المتواضع!

الذي يعرف حجمه، ويحترم إنسانية من حوله، ابتداء بالطفل الرضيع.. فمن فوقه.

 

ويمكن الرجوع إلى قصة حنظلة رضي الله تعالى عنه، مع بعض الشرح في مقال (سؤال للسلفيين نسخة 2026) فإنّ فيه بعض التوضيح لهذا الأمر.

 

https://tadabbaralquran.blogspot.com/2026/04/2026.html

 

 

الخلاصة.. إن كان هذا الأمر ينطبق عليك، فإن الطرف الآخر سيكتشف ذلك، سريعا! وربما من أول دقيقة

وسيبني ذلك حاجزا كبيرا بينك وبينه

ومهما حاولت من بذل أية أسباب تتخيلها.. فلن يفتح الباب بينك وبينه

لأنه وضعك في القائمة السوداء! قائمة الناس الذين لا يفهمون، ولا ينصتون، المتكبرين! أو سيئي الظن!

الناس الذين لا يرغب أبدا بأن يكون حولهم حينما يحتاج إلى حل مشكلة، أو إلى فهم نفسه، أو إلى فهم اختباره في الحياة... الخ

 

 

 

((( ثالثا )))

 

إذا تجاوزنا النقطتين السابقتين، ولزمنا الدعاء وبذلنا الأسباب التي بيننا وبين الله تعالى، لعله سبحانه أن يجبرنا بهداية من نحب....

 

فالأسباب التي يمكن أن تبذلها مع هذا الشخص، لن تخرج من منظومة ما فعله رسول الله ﷺ في دعوته للناس.

 

فإن رسول الله ﷺ دعى جميع أنواع البشر، دعى الملحد، وعابد القبور، وعابد الكواكب، وعابد نفسه!

ودعى المتشائمين الذين يتطيرون، ودعى الجزوعين الذين يريدون الدنيا كاملة، ودعى سيئي الأدب، ودعى المؤدبين، ودعى المتكبرين، ودعى المتواضعين...

 

مع الانتباه إلى أمر: أنّ المشاكل النفسية التي نوهت إليها في سؤالك، لا تخرج عن منظومة أمراض القلوب التي أنزل الوحي من أجل إصلاحها (وهذا الأمر كثيرا ما أذكره إن كان في هذه المدونة أو في الحسابات الأخرى، وليس هنا مكان البسط فيه)

 

فما يسميه الناس الآن استحقاقا = شرعا ولغةً يسمى: كبرا، وتطفيفا

وما يسميه الناس هشاشة = شرعا لا يخرج عن أن يكون جزعا، أو عجزا، أو كبرا عن تقبل النقد والنصيحة... الخ

 

هي نفس منظومة المشاكل البشرية التي أنزل الله تعالى الكتب وأرسل الرسل لإصلاحها

 

 

وبسبب استبدال الناس الآن الإسلام بما يسمونه علم النفس وغيره!

صاروا يستعملون مصطلحات هذه التخصصات.. وكأنها شيء جديد على الكرة الأرضية..

وكأنها مشاكل لم توجد منذ بدء الخليقة!

 

ولهذا لا يجدون حلها في الوحي

أو لا يريدون أن يجدوا حلها في الوحي!

 

وانتشار مشكلة ما في زمن ما في المجتمع (لأسباب كثيرة) أمر طبيعي، ومتكرر عبر التاريخ

والآن المنتشر هو الكبر (وتوابعه) وحب الدنيا (الذي يولد الجزع وسوء الظن بالله).... الخ

 

فلا ميزة في مشاكل الجيل الجديد عمن سبقه من أجيال كما يتخيل الكثيرون

 

هذه المشاكل كانت موجودة في زمن رسول الله ﷺ، وقبله وبعده.

 

وكذلك دعى عليه الصلاة والسلام الكبير، والصغير، والحر والعبد...

دعى ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها عند جبل الصفا.. وكان عمرها 5 سنوات!!

ودعا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو الذي كان يتربى في بيته ﷺ.. وكان عمره 10 سنوات!

 

دعاه..

لم يقل له: أنا أنزل إلي وحي، وأنا أعلم بمصلحتك.. فآمرك أن تتبعني حتى تنجو!

دعاه!

وأعطاه فرصة لكي يفكر ويقرر ماذا يريد أن يختار لنفسه

وفعلا ذهب رضي الله عنه ليوم أو يومين، وفكر في الأمر، ثم رجع إليه وقال له أنه يريد أن يسلم

 

(وهنا أيضا تنبيه: لا يعني هذا أن الأهل أو المربين لا يجبرون أبناءهم ومن تحتهم على شيء، ولكن هذا أيضا يحتاج إلى علم تفصيلي، وصدق مع الله تعالى، وإنصاف، حتى يعرف المربي الخطوط التي تفصل بين هذا وهذا، كما أنّه كما قلنا كلما كان الابن أو البنت أصغر، كانت دائرة حريته أضيق – مع وجودها -، وكلما كبر اتسعت دائرة حريته)

 

 

الشاهد أن رسول الله ﷺ دعى الجميع.. بشتى أنواع شخصياتهم وشتى أنواع مشاكلهم

بنفس المنظومة (طبعا لا يعني هذا تكرار طريقة الدعوة مع كل أحد كالنسخ واللصق! ولكن الخطوط العريضة للدعوة واحدة، وأما التفاصيل فتظهر من خلال الحوار والمعايشة)

 

 

فالسؤال هو: كيف دعى رسول الله ﷺ كل هؤلاء!؟

ما هي الطرق الصحيحة التي (كما ذكرت في سؤالك) تجلب قلب من أمامي؟

 

وهذا هو الصواب.. أن يصلح قلب المدعو.. فيختار هو أن يحرك جوارحه في اتباع أمر الله ﷻ

وإلا.. إذا لم ينصلح قلبه، ويختار بنفسه طريق الهداية

فلن تتحرك جوارحه (إلا خوفا، أو نفاقا، أو من أجل المكانة في المجتمع والمصالح الدنيوية! كما هو النموذج المنتشر في زماننا مع الأسف!)

 

فما الذي علمه رسول الله ﷺ للناس في العهد المكي.. حتى يصلح قلوبهم!؟

ما الذي نزل عليه من الوحي حينها؟

ما الذي كان يكلم الناس عنه؟

 

-كان يكلمهم عن الجنة

-ويكلمهم عن النار

-ويكلمهم عن صفات ربهم جل جلاله

-ويكلمهم عن صفات نفوسهم

 

>>> سننتقل الآن إلى ((( رابعا )))، ثم نعود فنستأنف ((( ثالثا ))) بإذن الله:

 

 

((( رابعا )))

 

رسول الله ﷺ كلم الناس بلهجتهم العامية!

لهجتهم العامية المحلية!

كما نتكلم الآن بلهجاتنا العامية (اللهجة المصرية، واللهجة السعودية، واللهجة الشامية، واللهجة اليمنية.... الخ)

بكل ما فيها من تعبيرات

وأساليب

تحمل بداخلها إدراكات عميقة نفهمها في لحظة

وتؤثر مباشرة على قلوبنا

تجعلنا نضحك، ونبكي، ونهتم، ونغضب....

أساليبنا اليومية التي نتواصل بها مع من حولنا

 

هكذا فهم العرب والصحابة القرآن!

 

لغة القرآن التي نتعامل معها الآن على أنها: اللغة العربية العظيمة! التي لها علوم وتُدرّس في الجامعات! ولا يكاد أحد يتكلم بها...

 

لم يكن هكذا حالها عند العرب وعند الصحابة!

لغة القرآن.. كانت هذه لهجتهم اليومية!

كانوا هكذا يتكلمون، وهكذا يتحاورون، وهكذا يتفاصلون في الأسواق، وهكذا يتمازحون...

لقد دخل القرآن إلى عمق قلوبهم...

كما يدخل الآن الكلام المؤثر الذي نسمعه بلهجتنا التي نتعامل معها كل يوم

 

فمن المهم جدا في دعوة أي أحد، أن يكون الحوار معه بلهجته قدر المستطاع

وحينما نستعمل المصطلحات الشرعية، فإننا نشرحها له بلهجته، ونذكر له البديل الذي يستعمله في حياته للتعبير عن هذا المصطلح، بالأمثلة قدر المستطاع

إذا أردنا أن نؤثر في قلبه، وأن يصل الكلام إلى أعماق فهمه ومشاعره

 

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم 4]

 

  

((( نستأنف ثالثا )))

 

💎 فرسول الله ﷺ علمهم عن ربهم بهذه الطريقة، كلمهم عن صفات ربهم بهذه الطريقة

علمهم كيف يتعامل معهم ربهم لحظة بلحظة، في حياتهم، في أقدارهم، في مشاعرهم....

هكذا تعرفوا على ربهم سبحانه

الذي هو صاحب هذه الدعوة

صاحب هذا الوحي

الذي أنزله لنا لكي يدلنا على كيفية النجاح في هذا الاختبار

 

فكانت النتيجة أن امتلأت قلوبهم بمحبته، وتعظيمه وهيبته، وخشيته، ورجائه وحده، والتوكل عليه والثقة به وحده.... جل في علاه

 

 

💎 وأيضا علمهم عن أنفسهم (عما نسميه الآن: شخصياتهم، ونفسياتهم، وطباعهم، وتفكيرهم...)

 

أين ذلك؟

 

في قصص الأنبياء

غالب قصص الأنبياء – إن لم تكن كلها – نزلت في العهد المكي

 

فماذا كانت تعلمهم؟

 

تعلمهم عن الكبر – ككبر إبليس وفرعون –

وتعلمهم عن الحسد – كحسد بني إسرائيل وقابيل –

وتعلمهم عن سوء الظن – {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ}

وتعلمهم عن الجحود

وتعلمهم عن الجزع

وتعلمهم عن البطر

....

 

كانت تعلمهم صفات النفس البشرية التي يفترض أن يكتشفوها في أنفسهم

ثم يبدؤوا بمجاهدتها وإصلاحها

 

ومجرد اكتشافهم لهذه الأمراض وسيء الأخلاق في أنفسهم، يعتبر قطعا لشوط كبير في الهداية

لأنه يكسر النفس!

يزلزل ما فيها من عجب وكبر وتزكية

يجعلها تدرك مدى ضعفها، وذلها لله تعالى، وحاجتها له

يزهدها في الدنيا التي كانت تظن أنها تستطيع أن تعلو فيها وتطغى...

 

 

الكلام والحوار في مثل هذه المواضيع يفترض أن يكون ثقافة مجتمعية – كما كان عند العرب ثقافة مجتمعية (الكلام في الأخلاق، وصفات النفس، وتصنيف الناس وفقا لها، وفهم كل شخص لنفسه وما يجول فيها....... الخ)

 

وهو إلى حد ما يعتبر ثقافة مجتمعية في بعض البيئات الآن.. ولكن باسم علم النفس!!!

وليس باسم الإسلام وأدلة الوحي

وهذه كارثة!

 

 

الشاهد

أتى القرآن في العهد المكي لكي يطهر الناس من هذه الأمراض والكبائر

ويكون الفيصل في حكمهم على أنفسهم وغيرهم من خلالها

 

فإذا طهرت النفوس من الكبر والحسد والجحود وهمّ الدنيا = كان هذا يعني امتلائها بأضداد ذلك، من شعب الإيمان والصلاح

فتكون استجابة الجوارح بعد ذلك تلقائية وغير متكلفة

 

 

💎 وأيضا علمهم ﷺ في بداية الدعوة عن الجنة والنار

وما يتبع ذلك من مواضيع (أحداث يوم القيامة، والقبر، وحقيقة الدنيا ونقصها)

 

وهذا هو الوقود الذي يملأ القلب بالرغبة والرهبة، يدفعه ليحقق الهدف الذي خلق من أجله، لكي يكون يوم القيامة من الفائزين – أي الداخلين للجنة، والناجين من النار، والناجين أيضا من جميع أنواع العذاب والنصب الذي قد نواجهه ابتداء بالقبر، إلى المحشر، إلى شدة الحساب، إلى الصراط، إلى القنطرة... -.

 

 

💎💎💎

هذه المواضيع هي التي يقال عنها في المصطلح الشرعي أنها تضبط (عقيدة العبد) إذا قبلها، واستسلم لها، واختار أن يعيش وفقا لها

 

في مصطلحاتنا نحن، هذه المواضيع هي التي (تضبط أفكار الإنسان، تحرك مشاعره، تصقل شخصيته، تنضج نفسيته، تصلح طباعه...)

 

فيتحول من إنسان غير سوي > إلى إنسان سوي

من إنسان تافه > إلى إنسان عالي الهمة

من إنسان تائه > إلى إنسان لديه هدف عظيم يملأ حياته، وهو الهدف الذي خلقه الله تعالى من أجل تحقيقه

 

 

هذه هي الأمور التي يجب أن تبدأ الدعوة بها

 

فإذا سار في هذا الطريق بضع خطوات، سيبدأ يتغلغل في قلبه إجلال لله تعالى، وتعظيم له، ومحبة له، ورغبة في لقائه، وشوق إليه، وخوف من النار، و رغبة في الجنة، وزهد في الدنيا، وخفوت في الاندفاع في شهواتها، والصبر على نقوصاتها، والانشغال فيها بما ينجيه بعدها – في الحياة الحقيقية التي لا تنتهي! -...

 

هذه المشاعر التي بدأ يتذوقها، هي التي ستجعله حينما يأتيه من ربه الذي يحبه ويعظمه أمر أو نهي > يقول {سمعنا وأطعنا}

 

وسيبقى مقصرا ومذنبا، ولكنه سيكون مؤمنا

معترفا بذنوبه، باحثا عن عيوبه وحريصا على مجاهدتها

سيصبح تقبل النصيحة عنده سهل

والمجاهدة سهلة

والتعاون مع إخوانه على صلاح نفسه سهل

والتوبة وإرجاع الحقوق سهل

...

 

أما إذا بدأ بإصلاح جوارحه قبل قلبه، أو دفعه أهله أو المجتمع لذلك

فإنه سيكون ذلك النموذج الذي ذكرته قبل قليل (المنافق المتنفع، الذي يظهر الدين، ويبطن عبادة الدنيا!)

 

 

((( خامسا )))

 

بعد هذا الشرح الطويل، ينبغي أن ندرك أنّ كل هذا لا يحدث في يوم وليلة

ولا في شهر

ولا حتى في بعض سنوات!

 

إنما هذا يعني رحلة عمر

يعني "حياة" كاملة نعيشها مع الناس

نصلح فيها أنفسنا، ونعينهم على صلاح أنفسهم

ونتعامل مع كل أحد بما يناسب حاله

ونصبر ونتغافل ونحسن الظن قدر المستطاع...

 

فإنّ صناعة إنسان مهتدي ليست سهلة!

 

إنها من أعظم الوظائف التي يمكن لأحد أن يقوم بها

 

لهذا كانت وظيفة ورثة الرسل، وظيفتهم {ولكن كونوا ربانيين}

ليست وظيفتهم إلقاء المعلومات فحسب

ولكن وظيفتهم تربية البشر

كما ربى رسول الله ﷺ أصحابه، وعاش معهم وبينهم، لحظة بلحظة، فخرج من تحت يديه جيل الواحد منهم يزن أمة ممن بعدهم!

 

 

كما أنّ هذه الحياة التي أعيشها معهم، يجب أن يكون المحور الأساسي الذي يدور تركيزي عليه.. هو أنا!

 

-هل أنا أطبق هذه الأشياء التي أطالب من أمامي أن يطبقها!؟

-هل أنا أعمل بالعلم الذي أتعلمه وأعلمه للناس؟

-هل أنا أصلا أفهم نفسي، أو لدي الرغبة الصادقة في أن أفهم نفسي.. حتى أطالبه بأن يفهم نفسه؟

-هل أنا حينما أرى عيبا في نفسي، أو يكشف أحد لي عيبا في نفسي.. أعترف به؟ كما أطالب من أمامي أن يعترف بعيوبه!؟

-هل بعد أن أعترف به أكون حريصا على أن أجاهده؟ وأفرح حينما يقدم لي أي أحد نصيحة أو معونة لإصلاحه؟ كما أطالب من أمامي أن يحرص على صلاح ما في نفسه ويقبل معونتي له على ذلك!

-.... الخ

 

 

فأنا يجب أن أكون محور تركيز في كل ذلك

ولأنني أحب هذا الإنسان، فإنني أيضا سأدعوه لكي يسير معي في طريق إصلاح أنفسنا

 

ولكن صدقني، إذا خضت هذه الحروب مع نفسي

ستكون دعوتي له مختلفة!

ستكون ممتلئة بالتواضع! والرفق! والإعذار! وسعة الصدر!

ستكون ممتلئة بالصبر وحسن الظن! (حقيقةً، وليس تكلفا ولا تمثيلا!)

 

ستكون الأولويات فيها صحيحة.. لن أركز على ذنوب جوارحه (التي تضايقني!) أكثر من تركيزي على صلاح قلبه.. الذي هو أصل صلاح جوارحه

 

وسيكون جهدي الأكبر فيها منصبّ على الاستغاثة بالله تعالى!

أن يشرح صدري وصدره للحق

وأن ينجينا من أنفسنا.. ومن مكائد الشيطان.. ومن فتن الدنيا

وأن يعيننا على ما يرضيه

وأن يرحمنا

وأن يعاملنا بعفوه وحلمه ولطفه.. ولا يعاملنا بعدله!

وأن لا يحرمنا خير ما عنده.. بشر ما عندنا!

....

ولن أكون متوكلا على نفسي في صلاحه ولا صلاحي أنا!

 

 

أرجو أن يكون الله تعالى سددني لقول ما ينفعني وينفعك وينفع من ندعوهم

إذا أحببت مناقشة أي نقطة من هذه النقاط أو غيرها

فحياك الله

إما أن تكتب تعليقك هنا في هذه الصفحة

أو في صفحة الاستشارات

 

أعاننا الله تعالى على طاعته

وأحسن خواتيمنا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أرشيف المدونة الإلكترونية