~كتاب الله~
هو الهدى والنور والروح والرحمة والشفاء والبركة والبرهان والحكمة والحق...
نحتاج أن ننكب على تدبره وفهمه وإسقاطه على قلوبنا وأبداننا لنصلح لمجاورة الله في الجنة


وتابعوا

مدونة "علم ينتفع به" تحوي تفاريغ دروس الأستاذة أناهيد السميري جزاها الله خيرا ونفع بها

http://tafaregdroos.blogspot.com

الخميس، 1 يناير 2026

تكلم .. قبل الانفجار! 💥

هل لاحظت أنك تكون ألطف مع الغرباء

وأقسى مع الأشخاص الذين تحبهم!؟


إنّ في قلبك اعتقادًا خفيًّا أنّ أحبابك مكانٌ آمن ليَرَوْا حقيقة مشاعرك وانفعالاتك..


فأنت تحافظ طوال اليوم على رباطة جأشك مع زملائك وعملائك والغرباء... تظل هادئا، ومهذبا، ومسيطرا على نفسك.. تتجرع التعليقات وتبتسم ابتسامات مزيفة!


وتقول لنفسك: الأمر لا يستحق أن أتسبب بمشكلة من أجله!


وفي الحقيقة.. إنّ قلبك يخزن كل هذه الضغوط (كالرسائل الصغيرة الكثيرة.. غير المقروءة!)

كل واحدة منها تبدو صغيرة.. ولكن قلبك يجمع الكثير منها.. حتى تصبح كالجبل!

ثم تعود إلى المنزل.. حيث سؤال بريء، أو نكتة، أو وسادة في غير مكانها... تُمثل سببا كافيا لكي تنفجر!


ليس بسبب الأمر الذي انفجرت عنده.. ولكن لأنّك تشعر بالأمان لخلع قناعك

فيصبح الأشخاص "الآمنين = المضمونين!" بالنسبة لك.. مكبّات سهلة لجبل التسخط والغضب الذي تجمّع بداخلك!



هذا النمط المتكرر.. يحتاج إلى إعادة برمجة قناعاتك (تفكيرك واعتقاداتك)

وإعادة برمجة عقل الإنسان (قلبه) ليست سهلة، وتحتاج إلى مراحل طويلة من عمر الإنسان، وبالتأكيد إلى علم وتفكر ومدارسة وفهم... وصبر.



1- أولا: الظنّ بأنّ الإنسان يجب أن يكون مجاملا ومبتسما خارج البيت مع الجميع، هو ظن كارثي! فالمؤمن الصادق (غير المخادع، ولا الكذاب) لا يزيف شخصيته وانفعالاته وردود فعله ليبدو مثاليا، أمام أي أحد!


كما أنّه لا يُعامل جميع الناس بالرفق واللطافة.. لأن ليس جميع الناس يستحقون ذلك


فشرعا: الرفق واللطف هو الأساس في التعامل مع الناس، ابتداء بمن لا نعرفهم، وانتهاء بمن إذا ترفقنا بهم كسبنا احترامهم وخجلهم، ورغبتهم بأن ينصلحوا ويكونوا أفضل.


ولكن ينخفض منسوب الرفق مع الناس كلما زاد فيهم (الكبر، والعناد، وسوء الأدب، والظلم، والطغيان...) بعد مرورنا معهم بمرحلة رفق وصبر ونصيحة ومعونة.. إلا أنها لم تُجدِ!

فسيكون الرفق في هذه الحالة.. سببا لزيادة طغيانهم! وتجرئهم! وأحيانا ظنهم أنهم على صواب!!







فالتعامل مع الناس بالرفق في مكانه > يسمى شرعا: المداراة، وهي من أخلاق المؤمنين


وأما الرفق مع الجميع، وفي جميع الأحوال > يسمى شرعا المداهنة! وهو من أخلاق المنافقين!



كما أنّ الرفق الذي يقوم به المؤمن (في مكانه) لا يعني أن ينسلخ من شخصيته الحقيقية! ومشاعره! وانفعالاته! تماما.....

فيُظهر عكس ما هو عليه!


مثلا: > يكون حزينا لسبب ما، فيظهر بابتسامة عريضة.. تُنبئ أنه سعيد وليس لديه أيّةَ مشاكل!

> أن يكون محتارا في أمر، فيظهر ثابتا قويا واثقا من رأيه.. وكأنّه نزل إليه بوحي!

> أن يكون يكره شخصا (لله.. لأنه مأمور من الله تعالى أن يكرهه) فيُظهر له البشاشة التامة.. وكأنه صديقه المقرب!



هذا ليس حال "المؤمن"، وإنما حال المنافق

لأنّ المؤمن صادق، يظهر ما يبطن في غالب الأوقات، باطنه كظاهره، بلا تزيين، بلا تجمل، بلا تمثيل...


وفي الأحيان التي "أمره الله تعالى" أن يداري فيها من أمامه، ولا يظهر ما في باطنه تماما (وهي الحالة النادرة عند "المؤمن"، وليست ما يغلب عليه! وإلا لم يكن صادقا)

فإنّه يخفي ما بداخله.. إلى وضع الحياد!

وليس إلى وضع النقيض!!



مثال: حينما تكون تكره شخصا (لله) ويكون الله تعالى قد أمرك أن تداريه في هذا الموقف (لأن المداراة هنا قد تجلب قلبه، وتتسبب في هدايته - ولو على المدى الطويل -، أو ستكف شره عن الناس... الخ)


فإنّ المؤمن في هذه الحالة حينما يلقى هذا الإنسان، سيعامله بنوع (رسمية) كما نسميها، تعامل موضوعي، قد يبتسم في وجهه (ابتسامة خفيفة.. يظهر فيها بوضوح رسالة: أنت لست شخصا مقربا مني، أنت لست صديقي، ولكنني الآن أعاملك بالإحسان والرفق)


بخلاف المداهن، الذي يقلب نفسيته تماما مع من يكرهه، ويهش في وجهه ويبش، ويضحك ويتودد..... حتى يظن هذا الشخص أنه من أقرب الناس إليه!

فإذا فارقه.. ظهر ما في قلبه اتجاهه من الكره والحنق والاحتقار... الخ


(مع الانتباه إلى أنّ هذا المداهن غالبا لم يكن كرهه لذلك الشخص لله أصلا!

وإنما لأهواء دنيوية، وقد يكون ذلك المكروه شخصا صالحا، وهذا المداهن يكرهه لصلاحه!)



مثال2: حينما تكون حزينا لمشكلة لديك، ويأتيك ابنك الصغير ويريد أن يلعب معك، وأنت لا تريد أن تحزنه بمشاكلك، وفي نفس الوقت لا تريد أن تعتذر منه وتخذله!


فالمؤمن في هذه الحالة لا يقلب حالته النفسية تماما وكأنه في غاية السعادة!

وإنما قد يبتسم "ابتسامة خفيفة" يظهر منها وده ورحمته، وفي نفس الوقت يلتقط من أمامه أنه ليس بأفضل حالاته، وأن هناك ما يشغل باله (إلا إذا شرح الله صدره فعلا.. وخرج من حالة الحزن التي هو فيها و "اندمج" مع طفله في لعبه ومزاحه : ) )


هكذا المؤمن

هكذا "الصادق"

لا يظهر عكس ما يبطن.. لا "يُبدع" في التمثيل وتقمص الأدوار! بحيث يُخدع من أمامه ويظن ذاك أن هذه حالته النفسية بالفعل!

فهذا بالضبط حال المخادع، الكاذب


وإنما قد يخفف (أحيانا) ظهور ما يبطن في حالة المداراة.. وحينها يدرك من أمامه أنّ هناك أمرا خفيا بداخله لا يعلمه.


كما أن "المؤمن" لا يختار هذه الحالة كما قلنا إلا نادرا، وحينما تكون مصلحتها أرجح، أما إذا استطاع أن يكون صريحا ومباشرا، فيقول لمن أمامه: أنا الآن مشغول، أنا الآن متعب، أنا الآن حزين وأحتاج بعض الوقت، أنا الآن محتار ومتردد......... فإنه ببساطة.. يقول ذلك، هذا هو الغالب على حال الصادق.



هذه النقطة لوحدها كفيلة بأن تزيح الجزء الأكبر من الجبل الذي يثقل قلوب غالب الناس، ويتسبب في ضغطهم وانفجارهم.. خاصة مع من يحبونهم!


فكون الإنسان يمثل ويظهر على غير حقيقته (وهي حالة المنافق والمداهن) وإن كان هو الذي اختار هذا السلوك، وإن كان يرى فيه مصلحته، ويبدع في تطبيقه...

إلا أنّه واقعيا.. يتسبب في كآبة هذا الإنسان، وضيق صدره، وتشتت قلبه وعقله...

وقد تكون هذه بعض عقوبات الله تعالى عليه {معيشة ضنكا} بسبب ما اتصف به من نفاق أو مداهنة!

ولكنه لن يعاني وحده من ذلك.. وإنما سيعاني منه من يعيشون معه، ومن قدر الله أن يحبوه وينتظروا منه مزيدا من الحب واللطف - الذي يعطيه للغرباء! -.


أما المؤمن، الصادق، فهو في راحة من كل هذا.



2- ثانيا: من أهم صفات "المؤمن" التي تميزه عن غيره، الرضا!


🌿الرضا عن ربه سبحانه

🌿الرضا بنقوصات الدنيا (لأنه يعلم أنها جسر اختبار، وليست مقرّ إقامة!)


🌿الرضا حينما ينتقده الناس ويظهرون عيوبه، فلا يضغطه ذلك، ولا يتجمع بداخله على شكل سخط وغضب (لعلمه بأنّه بشر ضعيف، وليس كاملا، وليس مثاليا، فانتقادهم لا يكسر "تمثاله" بداخله!! لأن هذا التمثال ليس موجودا عند المؤمن أصلا! بل إنّ المؤمن يفرح بانتقادهم حينما يعينه ذلك على اكتشاف عيوبه وإصلاحها)


🌿الرضا عن نقوصات من حوله (وليس المقصود قبول النقوصات وعدم محاولة إعانتهم على إصلاحها، وإنما المقصود قبول وجودها، بحيث لا يتسبب مجرد وجودها بالحنق والغضب والصدمة!! التي تجعله يثور ليزيلها في لحظتها.. دون صبر ولا سعة صدر!)


لإدراكه أنهم بشر، وبالتالي خطاؤون، فليس هذا أمرا مفاجئا ولا نادر الحدوث!

كما أنه يرى عيوبه هو ونقوصاته، فكما أنّه صابر على نفسه، ومترفق في إصلاحها، فالناس مثله، فيشعر بسعة في صدره للصبر عليهم، والترفق في إصلاحهم



لهذا "المؤمن" الراضي، لا ينضغط كثيرا من أحداث الدنيا من حوله، فما يتجمع في قلب غيره كالجبل، سيكون في حقه كحقيبة الظهر متوسطة الثقل، التي يشعر ببعض ثقل منها، دون أن تنهكه..



3- ثالثا: "المؤمن" شاكر للنعم

أي أنه يرى النعم ابتداءً، ولا تمرّ عليه هكذا.. كأنها حق مكتسب! كأنها أمر عادي لابد من وجوده

لهذا هو يشعر بالامتنان لله تعالى على كل نعمة لديه

وكلما تجدد تفكره في نعمة من النعم.. ازداد امتنانه، وازداد تواضعه لله وخجله منه

فازداد شكرا له سبحانه، وشعورا بالسعادة أنه جل جلاله لم يسلب منه هذه النعمة، لا بذنوبه، ولا كما سلبها من غيره!


فخارج البيت: يشكر على نعمة صحته، وقوته، ووجود عمل يكفيه ويكفي أهله، يشكر على كل تفاصيل هذه الأمور التي لا يستطيع أحد أن يحصرها...


وداخل البيت: يشكر على وجود زوجه وأبنائه، على وجود بيت يظلهم، وعلى تأليف الله تعالى لقلوبهم، وعلى صلاحهم وعافيتهم....


فحينما يكون هذا شعوره، أولا: لن يلاحظ النقوصات كثيرا، لا خارج البيت ولا داخله، لأن قلبه مشغول برؤية النعم، والامتنان عليها، وشكر الله تعالى عليها.

وثانيا: سيشعر بنعمة الله تعالى عليه على زوجه وأبنائه في حياته، وسيشعر بأن من شكر الله تعالى عليهم أن يحسن إليهم، ويرحمهم، ويتلطف بهم، ويوسع صدره معهم.. حتى يكون أحب الناس إليهم.


فحتى حقيبة الظهر متوسطة الثقل التي يشعر بها بسبب نقوصات الحياة.. سيضعها جانبا في كثير من الأحيان، ويشارك زوجه وأبناءه حياتهم واهتماماتهم، ويعطيهم حقهم من المزاح واللعب والتعليم والحوار وتبادل الخبرات... الخ.


4- رابعا: ومن إعادة البرمجة التي تحتاجها، والتي قد تكون تابعة لنقطة الصدق بشكل أو بآخر:


شارك أحبابك مشاعرك، كما يحبون هم أن يشاركوك مشاعرهم

لا تنغلق على نفسك وتظنّ أنك (القوي الذي لا يُقهر!! سبحان الله القوي العظيم وحده..)

فتخفي مشاكلك تماما، وتخفي مشاعرك ومخاوفك.. بظنك حتى لا تثقل على من تحب!

فما ميزة من نحبهم إذن عن غيرهم!؟

ما ميزة الزوجة والصاحب المقرب والابن والأخ.. إذا لم يعرفوا تفاصيل مشاعرك، وتعرف أنت تفاصيل مشاعرهم، وتتشاركون في إعانة بعضكم على تجاوز الصعوبات التي قدّر الله تعالى لكم أن تمروا بها!!؟


اعلم.. أنّ انغلاقك على نفسك وإخفائك لمشاعرك.. يدخل في قلوب من يحبونك كالخنجر!

يُقطّع قلوبهم ويحزنهم.. لشعورهم أنهم كالغرباء بالنسبة لك!

وأنك بعيد بقلبك عنهم.. ولا تحب مشاركتهم في حياتك، ولا تثق بهم لفتح قلبك لهم...


فأنت لم توفر عليهم عناء الحزن.. وإنما أثقلتهم بجروح الفقد والخذلان!


والولاية هي: المحبة والنصرة والقرب والمعونة..





فمثلا (وهذا مثال واحد من مئات وربما آلاف المواقف):


حينما تكون مضغوطا من العمل، ولا تستطيع وضع حقيبة ظهرك جانبا، وتحتاج إلى بعض الهدوء أو التفكير...


اكتشف هذا مبكرا، وتكلم مع أحبابك بصدق، قل لهم: أنا مرهق ومضغوط، وليس هذا بسببك! أنت لم تفعل شيئا خطأ، ولكنني أحتاج إلى 10 دقائق من الهدوء، أو إلى ساعة من الاسترخاء...


ثم ابتعد قليلا، اخرج وتنفس هواء نقيا، حرك جسدك ببعض المشي أو الرياضة...


فإذا هدأت، اجلس مع من تحبهم، وشاركهم مشاكلك، حاورهم، شاورهم في أمرك


لقد أمر الله تعالى رسوله ﷺ بمشاورة أصحابه.. وهو سيد البشرية! والصواب ينزل عليه من الله مباشرة عن طريق جبريل عليه السلام!

فمن هذا الذي يظن أنه مستغن عن مشاورة من حوله!؟


حتى طفلك الصغير.. قد ينطقه الله بكلمات - من فطرته السليمة - يجعلها الله تعالى إيقاظا لك، أو تنبيها على أمر لم يخطر لك على بال..


ناهيك عما في هذه العلاقة السوية.. من تدريب لمن حولك على التعقل، والتفكر، والحوار النافع، والمشورة، والتعاون...........



5- خامسا: مما يميز "المؤمن" كذلك عن غيره

أنه يعلم أن له ربا، مالكا لهذا الكون بأكمله، متحكما في كل ذرة فيه

وقد خلقه لهدف واحد (ليحقق العبودية التامة له وحده سبحانه، بقلبه وجوارحه) 


🌾فيلجأ إلى ربه جل جلاله في كل صغيرة وكبيرة

ويتضرع إليه، ويتذلل له، ويعرض عليه حاجاته وفقره، ويسأله المعونة والتيسير والهداية والبصيرة والسداد..


🌾كما أنه يجتهد لتحسين عباداته مع ربه قدر المستطاع (صلاته، كثرة ذكره، تلاوته وتدبره لكلامه، تعلمه دينه، ما استطاع من النوافل... الخ)


🌾وأيضا.. هو يعلم أن ربه ما ابتلاه أو ضيّق عليه إلا بما كسبت يداه، فيرجع إلى نفسه دائما باللوم والعتاب، ويبذل جهده في البحث عن أخطائه وذنوبه وعيوبه، ويستعين بمن حوله لاكتشافها، ثم لمجاهدتها وإصلاحها... وإرجاع الحقوق إن كانت في حقوق غيره...


🌾ويكثر من الاستغفار، والاعتذار، والتوبة... حتى يرفع "ربه" عنه ما عرض عليه مما يهمه ويؤلمه ويضغطه..


🌾وخلال فترة الاستراحة التي يأخذها ليهدأ.. لن يجد ما يهدؤه - بإذن الله تعالى وفضله - مثل: الدعاء، أو كثرة ذكر الله تعالى، أو الاستعاذة من الشيطان، أو قراءة كلام ربه بتدبر، أو الصلاة وطول السجود...



فالخلاصة:


أنت لا تحتاج أن تكون روبوتا لا يغضب!

ولكنك تحتاج أن تسعى لتكون ذلك المؤمن

الذي أمره كله له خير

وأن تتكلم.. وتكون صادقا مع من تحبهم، وتشاركهم مشاعرك حتى يعذروك ويعينوك على صعوبات اختبار الدنيا


اللهم أصلح قلوب وبيوت المسلمين

وردنا جميعا إليك ردا جميلا 🌧

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أرشيف المدونة الإلكترونية