كثير من الناس يتبعون الدين، أو الشريعة، ويشعرون أنهم منتمون لها، وأنهم يحبونها ويعظمونها، وأنهم ممن يدافعون عنها، وأنهم مستقيمون في وسط مجتمع منفلت لا يُعيرُها اهتماما...
ولكن ليست المشكلة في مبدأ اتباعهم للشريعة
وإنما المشكلة في: ماذا يقصدون بكلمة (شريعة)!؟
ماذا يقصدون بكلمة (دين)؟
ماذا يفهمون من كلمة (إنسان مستقيم)!؟
وهنا يظهر الفرق (الحقيقي، الذي يعلمه ويراه "ألمؤمنون"، وسيظهر جليا يوم القيامة، على غير ما احتسبه أكثر المخدوعين بأنفسهم! أو الخادعين لغيرهم)
بين المؤمن >< والمنافق، أو المبتدع، أو الكافر...
وهنا أنقل كلام ابن تيمية رحمه الله فحسب، وأظن أنه أوضح من أن يوضّح، نفع الله تعالى به
قال ابن تيمية رحمه الله:
مُسَمَّى (الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ) يَنْقَسِمُ إلَى:
🟢 مَا أَخْبَرَ بِهِ الشَّارِعُ أَوْ عُرِفَ بِخَبَرِهِ
🔵 وَإِلَى مَا أَمَرَ بِهِ الشَّارِعُ.
🟢 وَاَلَّذِي أَخْبَرَ بِهِ يَنْقَسِمُ:
🔸إلَى مَا دَلَّ عَلَى عِلْمِهِ بِالْعَقْلِ
🔸وَإِلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ
🔵 وَاَلَّذِي أَمَرَ بِهِ:
🔹إمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَفَادًا بِالْعَقْلِ
🔹أَوْ مُسْتَفَادًا بِالشَّرْعِ
◽️وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا لِلشَّارِعِ
◽️أَوْ لازِمًا لِلْمَقْصُودِ.
وَكَذَلِكَ اسْمُ (الشَّرِيعَةِ) وَ (الشَّرْعِ) وَ (الشِّرْعَةِ) فَإِنَّهُ يَنْتَظِمُ > كُلَّ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ مِنْ الْعَقَائِدِ وَالأَعْمَالِ.
📙 وَقَدْ صَنَّفَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الآجري "كِتَابَ الشَّرِيعَةِ" وَصَنَّفَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ بَطَّةَ "كِتَابَ الإِبَانَةِ عَنْ شَرِيعَةِ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ" وَغَيْرَ ذَلِكَ...
وَإِنَّمَا مَقْصُودُ هَؤُلاءِ الأَئِمَّةِ فِي السُّنَّةِ بِاسْمِ (الشَّرِيعَةِ): الْعَقَائِدُ الَّتِي يَعْتَقِدُهَا أَهْلُ السُّنَّةِ مِنْ الإِيمَانِ (مِثْلَ اعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَأَنَّ اللَّهَ مَوْصُوفٌ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَوَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَأَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَمَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّهُمْ لا يُكَفِّرُونَ أَهْلَ الْقِبْلَةِ بِمُجَرَّدِ الذُّنُوبِ، وَيُؤْمِنُونَ بِالشَّفَاعَةِ لأَهْلِ الْكَبَائِرِ... وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ عُقُودِ أَهْلِ السُّنَّةِ).
فَسَمَّوْا أُصُولَ اعْتِقَادِهِمْ (شَرِيعَتَهُمْ) وَفَرَّقُوا بَيْنَ شَرِيعَتِهِمْ وَشَرِيعَةِ غَيْرِهِمْ.
وَهَذِهِ (الْعَقَائِدُ) الَّتِي يُسَمِّيهَا هَؤُلاءِ (الشَّرِيعَةَ) هِيَ الَّتِي يُسَمِّي غَيْرُهُمْ عَامَّتَهَا (الْعَقْلِيَّاتِ) و (عِلْمَ الْكَلامِ) أَوْ يُسَمِّيهَا الْجَمِيعُ (أُصُولَ الدِّينِ) وَيُسَمِّيهَا بَعْضُهُمْ (الْفِقْهَ الأَكْبَرَ).
وَهَذَا نَظِيرُ تَسْمِيَةِ سَائِرِ الْمُصَنِّفِينَ فِي هَذَا الْبَابِ "كِتَابَ السُّنَّةِ" (كَالسُّنَّةِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَد، وَالْخَلالِ، والطَّبَرَانِي، وَالسُّنَّةِ للجعفي، وَلِلأَثْرَمِ، وَلِخَلْقِ كَثِيرٍ...) صَنَّفُوا فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ، وَسَمَّوْا ذَلِكَ (كُتُبَ السُّنَّةِ) لِيُمَيِّزُوا بَيْنَ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَعَقِيدَةِ أَهْلِ الْبِدْعَةِ.
فَالسُّنَّةُ كَالشَّرِيعَةِ هِيَ > مَا سَنَّهُ الرَّسُولُ وَمَا شَرَعَهُ.
فَقَدْ يُرَادُ بِهِ: مَا سَنَّهُ وَشَرَعَهُ مِنْ الْعَقَائِدِ
وَقَدْ يُرَادُ بِهِ: مَا سَنَّهُ وَشَرَعَهُ مِنْ الْعَمَلِ
وَقَدْ يُرَادُ بِهِ: كِلاهُمَا.
فَلَفْظُ السُّنَّةِ يَقَعُ عَلَى مَعَانٍ، كَلَفْظِ الشِّرْعَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ فِي قَوْلِهِ {شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} سُنَّةً وَسَبِيلا. فَفَسَّرُوا الشِّرْعَةَ بِالسُّنَّةِ، وَالْمِنْهَاجَ بِالسَّبِيلِ.
وَاسْمُ (السُّنَّةِ) و (الشِّرْعَةِ) قَدْ يَكُونُ فِي الْعَقَائِدِ وَالأَقْوَالِ؛ وَقَدْ يَكُونُ فِي الْمَقَاصِدِ وَالأَفْعَالِ.
فَالأُولَى فِي طَرِيقَةِ الْعِلْمِ وَالْكَلامِ، وَالثَّانِيَةُ فِي طَرِيقَةِ الْحَالِ وَالسَّمَاعِ، وَقَدْ تَكُونُ فِي طَرِيقَةِ الْعِبَادَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالسِّيَاسَاتِ السُّلْطَانِيَّةِ.
📗 فَالْمُتَكَلِّمَةُ جَعَلُوا بِإِزَاءِ الشَّرْعِيَّاتِ > الْعَقْلِيَّاتِ أَوْ الْكَلامِيَّاتِ
📒 وَالْمُتَصَوِّفَةُ جَعَلُوا بِإِزَائِهَا > الذَّوْقِيَّاتِ وَالْحَقَائِقَ
📕 وَالْمُتَفَلْسِفَة جَعَلُوا بِإِزَاءِ الشَّرِيعَةِ > الْفَلْسَفَةَ
📙 وَالْمُلُوكُ جَعَلُوا بِإِزَاءِ الشَّرِيعَةِ > السِّيَاسَةَ
📓 وَأَمَّا الْفُقَهَاءُ وَالْعَامَّةُ فَيُخَرِّجُونَ عَمَّا هُوَ عِنْدَهُمْ الشَّرِيعَةَ > إلَى بَعْضِ هَذِهِ الأُمُورِ، أَوْ يَجْعَلُونَ بِإِزَائِهَا > الْعَادَةَ أَوْ الْمَذْهَبَ أَوْ الرَّأْيَ ...
📚وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ الشَّرِيعَةَ الَّتِي بَعَثَ اللَّهُ بِهَا مُحَمَّدًا ﷺ جَامِعَةٌ لِمَصَالِحِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
وَهَذِهِ الأَشْيَاءُ (📗📒📕📙📓): مَا خَالَفَ الشَّرِيعَةَ مِنْهَا فَهُوَ بَاطِلٌ، وَمَا وَافَقَهَا مِنْهَا فَهُوَ حَقٌّ.
لَكِنْ قَدْ يُغَيَّرُ أَيْضًا لَفْظُ (الشَّرِيعَةِ) عِنْدَ أَكْثَرِ النَّاسِ:
📔 فَالْمُلُوكُ وَالْعَامَّةُ عِنْدَهُمْ: أَنَّ الشَّرْعَ وَالشَّرِيعَةَ اسْمٌ لِحُكْمِ الْحَاكِمِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقَضَاءَ فَرْعٌ مِنْ فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ.
📚 وَإِلا فَالشَّرِيعَةُ جَامِعَةٌ لِكُلِّ (وِلايَةٍ وَعَمَلٍ) فِيهِ صَلاحُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَالشَّرِيعَةُ إنَّمَا هِيَ كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ، فِي:
💎الْعَقَائِدِ
💎وَالأَحْوَالِ
💎وَالْعِبَادَاتِ
💎وَالأَعْمَالِ
💎وَالسِّيَاسَاتِ
💎وَالأَحْكَامِ
💎وَالْوِلَايَاتِ
💎وَالْعَطِيَّاتِ
💎.....
ثُمَّ هِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي كَلامِ النَّاسِ عَلَى ثَلاثَةِ أَنْحَاءٍ:
✅ شَرْعٌ مُنَزَّلٌ وَهُوَ: مَا شَرَعَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
☑️ وَشَرْعٌ مُتَأَوَّلٌ وَهُوَ: مَا سَاغَ فِيهِ الاجْتِهَادُ.
❌ وَشَرْعٌ مُبَدَّلٌ وَهُوَ: مَا كَانَ مِنْ الْكَذِبِ وَالْفُجُورِ الَّذِي يَفْعَلُهُ الْمُبْطِلُونَ "بِظَاهِرٍ مِنْ الشَّرْعِ"؛ أَوْ الْبِدَعِ؛ أَوْ الضَّلالِ الَّذِي يُضِيفُهُ الضَّالُّونَ إلَى الشَّرْعِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
وَبِمَا ذَكَرْته فِي مُسَمَّى (الشَّرِيعَةِ) وَ (الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ) وَ (الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ) يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ:
☀️ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ الشَّرِيعَةِ فِي "شَيْءٍ مِنْ أُمُورِهِ"
بَلْ "كُلُّ" مَا يَصْلُحُ لَهُ فَهُوَ فِي الشَّرْعِ، مِنْ أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ وَأَحْوَالِهِ وَأَعْمَالِهِ وَسِيَاسَتِهِ وَمُعَامَلَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ... وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ هِيَ طَاعَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَقَدْ أَوْجَبَ طَاعَتَهُ وَطَاعَةَ رَسُولِهِ فِي آيٍ كَثِيرٍ مِنْ الْقُرْآنِ، وَحَرَّمَ مَعْصِيَتَهُ وَمَعْصِيَةَ رَسُولِهِ، وَوَعَدَ بِرِضْوَانِهِ وَمَغْفِرَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَجَنَّتِهِ عَلَى طَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ، وَأَوْعَدَ بِضِدِّ ذَلِكَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ وَمَعْصِيَةِ رَسُولِهِ...
⬅️ فَعَلَى كُلِّ أَحَدٍ مِنْ: عَالِمٍ، أَوْ أَمِيرٍ، أَوْ عَابِدٍ، أَوْ مُعَامِلٍ... أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِيمَا هُوَ قَائِمٌ بِهِ مِنْ (عِلْمٍ أَوْ حُكْمٍ أَوْ أَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ أَوْ عَمَلٍ أَوْ عِبَادَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ)
وَحَقِيقَةُ الشَّرِيعَةِ: اتِّبَاعُ الرُّسُلِ، وَالدُّخُولُ تَحْتَ طَاعَتِهِمْ، كَمَا أَنَّ الْخُرُوجَ عَنْهَا خُرُوجٌ عَنْ طَاعَةِ الرُّسُلِ.
وَطَاعَةُ الرُّسُلِ هِيَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي أَمَرَ بِالْقِتَالِ عَلَيْهِ فَقَالَ {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}.
وَالأُمَرَاءُ وَالْعُلَمَاءُ لَهُمْ مَوَاضِعُ تَجِبُ طَاعَتُهُمْ فِيهَا
وَعَلَيْهِمْ هُمْ أَيْضًا أَنْ يُطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فِيمَا يَأْمُرُونَ
📚 فَعَلَى كُلٍّ مِنْ الرُّعَاةِ وَالرَّعِيَّةِ وَالرُّءُوسِ وَالْمَرْءُوسِينَ أَنْ يُطِيعَ كُلٌّ مِنْهُمْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِي حَالِهِ، وَيَلْتَزِمُ شَرِيعَةَ اللَّهِ الَّتِي شَرَعَهَا لَهُ.
وَهَذِهِ جُمْلَةٌ تَفْصِيلُهَا يَطُولُ غَلِطَ فِيهَا صِنْفَانِ مِنْ النَّاسِ:
🔻صِنْفٌ سَوَّغُوا لِنُفُوسِهِمْ الْخُرُوجَ عَنْ شَرِيعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ لِظَنِّهِمْ قُصُورَ الشَّرِيعَةِ عَنْ تَمَامِ مَصَالِحِهِمْ جَهْلا مِنْهُمْ؛ أَوْ جَهْلا وَهَوًى؛ أَوْ هَوًى مَحْضًا.
🔻وَصِنْفٌ قَصَّرُوا فِي مَعْرِفَةِ قَدْرِ الشَّرِيعَةِ، "فَضَيَّقُوهَا" حَتَّى تَوَهَّمُوا هُمْ وَالنَّاسُ أَنَّهُ لا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهَا.
وَأَصْلُ ذَلِكَ الْجَهْلِ بِمُسَمَّى الشَّرِيعَةِ وَمَعْرِفَةِ قَدْرِهَا وَسِعَتِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
📘 وَمِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْعَامَّةِ مَنْ يَرَى أَنَّ اسْمَ الشَّرِيعَةِ وَالشَّرْعِ لا يُقَالُ إلَّا لِلأَعْمَالِ الَّتِي يُسَمَّى عِلْمُهَا عِلْمَ الْفِقْهِ، وَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْعَقَائِدِ وَالشَّرَائِعِ، أَوْ الْحَقَائِقِ وَالشَّرَائِعِ.
فَهَذَا الاصْطِلاحُ مُخَالِفٌ لِذَلِكَ.
وقال رحمه الله:
قَالَ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً}
قَالَ مُجَاهِدٌ وقتادة: نَزَلَتْ فِي الْمُسْلِمِينَ، يَأْمُرُهُمْ بِالدُّخُولِ فِي شَرَائِعِ الإِسْلامِ كُلِّهَا، وَهَذَا لا يُنَافِي قَوْلَ مَنْ قَالَ: نَزَلَتْ فِيمَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَوْ فِيمَنْ لَمْ يُسْلِمْ، لأَنَّ هَؤُلاءِ كُلَّهُمْ مَأْمُورُونَ أَيْضًا بِذَلِكَ.
وَالْجُمْهُورُ يَقُولُونَ {فِي السِّلْمِ} أَيْ فِي الإِسْلامِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هُوَ الطَّاعَةُ، وَكِلاهُمَا مَأْثُورٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكِلاهُمَا حَقٌّ، فَإِنَّ الإِسْلامَ هُوَ الطَّاعَةُ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الأَعْمَالِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ {كَافَّةً} فَقَدْ قِيلَ: الْمُرَادُ اُدْخُلُوا كُلُّكُمْ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ اُدْخُلُوا فِي الإِسْلامِ جَمِيعِهِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، فَإِنَّ الإِنْسَانَ لا يُؤْمَرُ بِعَمَلِ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِالدُّخُولِ فِي جَمِيعِ الإِسْلامِ، فَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ الإِسْلامِ وَجَبَ الدُّخُولُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ وَاجِبًا عَلَى الأَعْيَانِ لَزِمَهُ فِعْلُهُ، وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْكِفَايَةِ اُعْتُقِدَ وُجُوبُهُ وَعَزَمَ عَلَيْهِ إذَا تَعَيَّنَ، أَوْ أَخَذَ بِالْفَضْلِ فَفَعَلَهُ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَحَبًّا اعْتَقَدَ حُسْنَهُ وَأَحَبَّ فِعْلَهُ.
فَالإِسْلامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ. وَهَذَا دِينُ اللَّهِ الَّذِي لا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ دِينًا غَيْرَهُ لا مِنْ الأَوَّلِينَ وَلا مِنْ الآخرين، وَلا تَكُونُ عِبَادَتُهُ مَعَ إرْسَالِ الرُّسُلِ إلَيْنَا إلا بِمَا أَمَرَتْ بِهِ رُسُلُهُ؛ لا بِمَا يُضَادُّ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ ضِدَّ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق