"الرضى" يأتي في النصوص، أو في كلام العلماء، أو في كلام الناس
وله أحد 3 معاني:
1️⃣ المعنى الأول: أن يكون المقصود به > "الرضى عن الله ﷻ"
وهو بمعنى: الرضى بأنّ الله تعالى قدّر هذا القدَر، أو شرع هذا الحكم
الرضى باختياره سبحانه، أي عدم التسخط عليه، وعدم الشعور بالضيق منه (أي من الله جل وعلا) أو الشعور بأنه سبحانه ظلمني أو ظلمنا بهذا الاختيار، أو الشعور بأنه لو اختار ذاك الاختيار الآخر (الذي في عقلي) لكان أفضل! أو أرحم! أو أصلح!
💎 وهذا الرضى واجب، وهو معنى الصبر (الذي هو أدنى الواجب في التعامل مع أقدار الله تعالى)
🔥 وعدم تحقيق هذا الرضى كبيرة، وقد يتجاوز الحد فيخرج العبد من الملة!
لأنه تسخط على الله تعالى، وتمرد عليه، واتهامه بصفات السوء (من الظلم أو القسوة أو عدم الحكمة...) سبحانه جل في علاه!
2️⃣ المعنى الثاني: أن يكون المقصود به > "الرضى عن القدر"
وهو بمعنى: الرضى بالحالة التي اختارها الله تعالى لي، أو لنا
الرضى عن الحالة نفسها، يعني عدم تمني زوال القدر
فيستوي عندي أن يظل القدر (أو البلاء) كما هو، أو أن يزول
👑 وهذه درجة أعلى من الصبر، وهي الرضى المستحب
كما قال عمر بن عبدالعزيز رحمه الله:
"ما بقى لي سرور إلا في مواقع القدر"
وقيل له: ما تشتهى؟ فقال: "ما يقضى الله عز وجل".
[منهاج القاصدين]
فيكون قلب هذا العبد هادئا، مطمئنا، مرتاحا.. وهو في وسط البلاء، ولا يخطر في باله تمني زواله، ولا يشعر بالجزع منه، ولا يترقب الأحداث لعلها تكون سببا لزواله...
هو يتألم (نفسيا أو بدنيا) وهو راض عن هذا الألم، هو متعايش معه، مطمئن وهو فيه، لأنه موقن يقينا يغمر قلبه أنّ هذا اختيار محبوبه له، اختيار أحب أحد إليه، وليس هذا فقط، وإنما اختيار من هو أرحم عليه من نفسه، وهو الحكيم الخبير، الذي يعلم دقائق الغيب، وتفاصيل ما يصلح له...
هو يرمي بنفسه ومستقبله بيد الله تعالى وهو واثق به تمام الثقة، فلا يهمه ما يشعر به من ألم أو فقد خلال الأحداث التي يختارها له ليسوقه إلى الخير (لأنه سبحانه بيده الخير، ولا يأتي منه إلا الخير)
لهذا هذه الدرجة من الرضا مستحبة، لأنها ليست سهلة، وتحتاج إلى قلب قد قطع شوطا كبيرا في غرس شجرة الإيمان واليقين والتوحيد والزهد في الدنيا وحمل همّ الآخرة...
3️⃣ المعنى الثالث: أن يكون المقصود بالرضى > "الرضى عن عيوبي وذنوبي!" (الباطنة والظاهرة)
وهو ما قد نطلق عليه الآن: التقبل.
أن يرضى العبد عن عيوبه وذنوبه!! أو عن تقصيره في الواجبات (التي في حق الله تعالى أو في حقوق المخلوقين)
فما حكم هذا الرضى!!؟
الرضى عن الذنوب أو العيوب له قسمان، ولكل منهما حكم مضاد لحكم الآخر:
🔴 (أ) "المؤمن" يحرم عليه أن يرضى عن ذنوبه وعيوبه، بمعنى أن يتعامل معها على أنها قدر من الله تعالى، وكأنّ الله تعالى هو الذي كتب عليه هذا الذنب، أو هذا العيب!
فما دام الله تعالى كتبه، فأنا راضٍ بقدر الله علي!
> إذن... أنا لن أفعل شيئا اتجاهه، فأنا لا أستطيع أن أغيّره، أنا هكذا! هذا طبعي! هذه مقدرتي!
الله سبحانه هو الذي كتب هذا علي! فمن أنا لكي أعارض قدر الله سبحانه!!
فهذا الذي يقول عنه العلماء أنه: يحتج بقدر الله على المعاصي!
وهو اعتقاد بدعي، تبنته طائفة اسمهم الجبرية!
فهم يتعاملون مع أفعالهم على أنهم مجبورون عليها، ولا تحكم لهم في تغييرها أو مجاهدتها، لأنها قدر الله سبحانه!
🔥 فحكم هذا الاعتقاد (الرضى): أنه بدعة، وحرام، بل قد يصل إلى الكفر!
يقول الله تعالى {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا ءَابَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ!!
كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ}
[الأنعام/39]
فهؤلاء المشركون احتجوا بالقدر على شركهم، ولو كان احتجاجهم مقبولاً صحيحاً ما أذاقهم الله بأسه.
فمن احتج بالقدر على الذنوب والمعائب فيلزمه أن يصحح مذهب الكفار، وينسب إلى الله الظلم تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : "وليس لأحد أن يحتج بالقدر على الذنب باتفاق المسلمين وسائر أهل الملل، وسائر العقلاء؛ فإن هذا لو كان مقبولاً لأمكن كل أحد أن يفعل ما يخطر له من قتل النفوس وأخذ الأموال وسائر أنواع الفساد في الأرض؛ ويحتج بالقدر! ونفس المحتج بالقدر إذا اعتدي عليه، واحتج المعتدي بالقدر لم يقبل منه، بل يتناقض، وتناقض القول يدل على فساده.
فالاحتجاج بالقدر معلوم الفساد في بدائه العقول"
[مجموع الفتاوى ( 8/179)]
ويمكن الرجوع إلى هذا الرابط لمزيد من التوضيح
https://islamqa.info/ar/answers/49039
🔵 (ب) القسم الثاني: يمعنى: أنا راضٍ أنّ الله تعالى قدّر علي هذا النقص، وهذا الضعف، وهذا العيب، وهذا الذنب...
بمعنى: أنا متقبل لحقيقة أنني عبد ضعيف!
أنا متقبل لحقيقة أنني لست مخلوقا خارقا أو كاملا!
أنا متقبل لحقيقة أنني لست رائعا وممدوحا ومستحقا لإعجاب الناس وانبهارهم!!!
وإنما أنا عبد ضعيف خطاء، مليء بالجهل والظلم والأهواء!!
وأي صفة جميلة فيّ.. إنما هي محض إحسان من الله تعالى، وهو وحده الذي يُحمد ويُشكر عليها!
وأي صفة سوء وذنب تظهر مني.. فهي منسوبة لي! أنا المتصف بها، لأنني لست إلها!!! (لا إله إلا الله)
وإنما أنا مخلوق ضعيف مختبر
قد أعطاني خالقي جل جلاله نعما، وسلب مني نعما
وهو يختبرني في هذا كله!
وسيحاسبني حين ألقاه عما فعلته فيما أعطاني.. وفيما سلبني!
هذا التقبل لا يعني أنني لن أبذل جهدي في محاولة إصلاح عيوبي، والتوبة من ذنوبي، والاعتذار للناس الذين آذيتهم بهذه العيوب... بالعكس!
وإنما يعني.. أنني لن أجزع حينما أكتشف في نفسي عيبا كنت أعمى عنه!
لن أنهار لأنني اكتشفت أنني ناقص.. ولست مثاليا ورائعا كما كنت أظن!
لن أقنط من رحمة الله لأنني اكتشفت أنني أضعف بكثير مما كنت أتخيل!
لن تدمرني رؤيتي لعيوبي!
لن تجعلني أتيه في الاضطراب والتوتر والاكتئاب!!! (الذي هو شرعا = الجزع والقنوط)
لأنني (متقبل) لحقيقة نقصي
(راضٍ) عن كوني مخلوق ناقص
راضٍ.. ليس بمعنى: أنا هكذا ولن أتغير!
وإنما راضٍ بمعنى: أنا هكذا.. مخلوق، خلقني ربي ناقصا
واختبرني في هذا النقص:
هل سأكرهه (لأنه يغضب ربي، ويسيء للناس من حولي، وأنا موعود إذا لم أجاهده بالعقاب في الدنيا والآخرة)؟
هل سأبذل الأسباب لمجاهدته وإصلاحه؟
هل سأحرص على التوبة منه، وتكرار التوبة إن استطعت؟
هل سأتواضع وأعتذر لمن أسأت لهم بسبب هذا الذنب وهذا العيب؟ وأطلب منهم المسامحة؟ وأعدهم أنني سأبذل جهدي أن لا أؤذيهم به مرة أخرى؟
هل سأحرص على التعاون معهم ومع غيرهم {على البرّ والتقوى} في التبصر بتفاصيل هذه العيوب، وفي فهمها ومجاهدتها؟
أنا مختبر بكل هذا، وهذا ما سأقوم به بإذن الله
لكن دون أن أكون: منهارا! أو قانطا! أو جازعا!
إنما أنا راضٍ عن كوني عبد مخلوق ضعيف خطاء
أي (متقبل) لهذه الحقائق.. ولست جازعا منها!
💎 وهذا الرضى.. واجب، لأنه أولا: يدخل في الرضى بقدر الله تعالى
وثانيا: الرضى بكوني عبد.. ولست ربا!
وثالثا: لأنه يمنع القنوط والجزع.
وإذا لم أرضَ بهذا القدر.. فهذا يعني أنني متكبر! معجب بنفسي! مُزكٍّ لها! متمرد على العبودية لربّي!
مُصرّ على أن أنسب الكمال والمدح والصفات الجميلة لي أنا!
{فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا
ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ!!
بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}
نسأل الله تعالى أن يعلمنا ديننا
ويبصرنا بأنفسنا
ويهدينا، وييسر لنا الهداية
ويحسن خواتيمنا
ويجعل خير أيامنا يوم لقائه 🤲🏼🌧
.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق